الشاعر أيمن صادق صوت شعري غرد في سماء الإسكندرية بقصائد الحب الرقيقة في ديوانه الأول ( سمريات ) وديوانه الثاني ( سمر وحلم النوارس ) الذي يتمسك منه بقصيدة يؤكد عليها هي ( سمر وحلم النوارس ) الذي يتمسك منه بقصيدة يؤكد عليها هي قصيدة يحمل عنوانها إسم الشاعر نفسه ( أيمن صادق ) وفيها يقول :
إنــه أيـمــن صــــادق
يمتطي صهوة أوجاع القصيدة
وعلي خاصرة الحرف يشد الحزن
والعمر الذي خان قيوده
إنــه أيـمــن صـــادق
يصطفي فاطمة والشعر
فـي كـــل صبــــاح
يرتــدي عمـرا جديــدا
وإذا ما عـاد في الليـــل
تراه يخــلع المــوت ....
ويهـــديـــها نشيــــده
وتبدي اعتزازه بهذه القصيدة حين استهل بها ديوانه الثالث الموت علي قارعة النشيد وقد جاء هذا الديوان مختلفا عن ديوانيه السابقين حيث اهتم فيه أكثر بالقضايا القومية والوطنية , وتطورت أدواته فابتعد كثيرا عن التأثر بأستاذه الشاعر الكبير المرحوم محمد عبد المنعم الأنصاري الذي أثر في معظم الشعراء الذين أنجبتهم الإسكندرية وأدركوا تألقه الشعري .
وتطورت حتى قصائد الحب في هذا الديوان حين تطورت رؤية أيمن صادق للواقع وقضايا الحياة , وها هو ذا يعبر عن شوقه بالعودة إلى بيته حيث تنتظره حبيبته لتمسح عن جبينه العناء فيقول :
هناك حبيبتي
ترنو من الشباك في شغف
فيزهر بين عينيها الدعاء
هناك حبيبتي – يا ساعتي الكسلي –
تراوغ ساعة كسلى
وتلعن خطوها السكير
فوق تسكع الوقت
وتغويه لكي ما يمتطي أرقاً
يحمحم بالنداء .
هاهي ذي حبيبته تراوغ الساعة التي اتصفت بالكسل , ويصور خطوات الساعة ببطء والتردد وكأن عقربها صار معتادا علي أن يظل في حالة سكر دائمة , ويسير بها فوق وقت يتسكع هو الآخر , فكل شئ بطئ وحبيبته تحاول أن تغوي الوقت كي يمتطي جواد الأرق الذي يحمحم بنداء التلاقي . وتلح حالة الحب علي الشاعر فنجده يغرق , ولكنه لا يغرق في بحار حبيبته , بما تخفي البحار من أسرار غامضة وما يتردد فيها من أمواج صاخبة , وما يعصف فيها من رياح , إنما يغرق في سماء حبيبته ... تلك السماء الواضحة الصافية , يقول أيمن صادق في قصيدة بعنوان ( حب ) :
لأول مرة
تحط نوارس عمري
علي شرفة من أرق .
لأول مرة
تباغت أحزانها
وتفلت من ألف حزن .. وحزن
ولا تحترق
فكيف استعادت عيونك – رغم غبار السنين
براءة طفلي المشاكس
فاختار من ألف حضن سماءك
كي ما يمارس فيها الغرق ؟
وتتجلي روعة الحب في قصيدة ( مزامير ) ملتقطاً جزيئات من الحياة تتمثل في المنبه الذي يوقظه , والمخدة التي كان يحتضنها أثناء نومه متوهماً أنها حبيبته فيقول :
دعيني أصدق
بأن الصباح .. صباح
تبسم حين ابتسمت
وأن رنين المنبه ليس نذيراً
لكي تستفيق الجراح
وتعلن موتي
ولست أقوم علي صوت أم
تشد المخدة من بين حضني
وتضحك .. تضحك ..
حين أتمتم باسمك أنت .
ثم يصور الشاعر تكرار قبلاته لحبيبته بصياغة شعرية فيها كثير من جماليات الشعر في الموسيقى التي تعتمد علي القوافي والتكرار , فيقول في القصيدة نفسها :
دعيني أصدق
بأنك غضبى
لأني تركتك طول النهار
وأنك تصطنعين خصاماً
يذوب علي قبلة الاعتذار
وأني أظل أسائل ثغرك :
هلا غفرت ...
وهلا غفرت ..؟
ويرسم صورة بديعة لحبيبته وهي تمشط شعرها فيقول :
بأن المرايا
تنفس فيها الغرور
بمشطك يخطر فوق الحرير
ويمضي أيمن صادق في ديوانه ( الموت علي قارعة النشيد )
فينفث غضبته الأبية شعراً لما يراه على الساحة العربية فيقول :
إنها بغداد سيدتي
واقفة في أول الصف
تري ...
من بعد بغداد
سنلقيه إلى الغول اللعين ؟
وتزيد المرارة في حلق الشاعر فيستهجن وضع العرب موجها قصيدته ( تخيلتكم مثلنا ) إلى ثوار فلسطين ويهديها إلى من فجر الحلم في القدس الغربية يوم 30 / 7 / 1997 فيقول :
تخيَّلتُكم مثلناتمتطون خيولَ الكلاموتمتشقون سيوفَ التسكِّع.. والإختيالاوتقترفون التمنىِّوتقترفون الحياة نساءً.. وما لاتخيَّلتُكم مثلناتحشرون بجوف الحماموجيعةَ عمرٍ تبرَّأ منَّاولا تدركون بأنَّ الحمامتقَّيأ خيبتَكم فى العراءِ.. وشدّ الرحالاوصار غريباً ..يسائل عمَّن يعيد الجناحَ ومن يسترد الفضاءَ..ومن لا يردّ السؤالَ..سؤالاتخيَّلتُكم مثلناتشحذون النصالالكى ما تشقّوا رغيفَ الهزيمة..فوق موائد حُلمٍ عقيموتقترحون..وتستنكرون..وتستمرئون التشكّيقتالاتخيَّلتُكم مثلناتصهلون بوجه أخيكموتثغون تحت سياط اللئيميهش عليكم بكذب الوعودوترعون من لؤمه الاحتيالاتخيَّلتُكم مثلنا.. "طيبين"ولكنَّكم قد خذلتم ظنوني..
وكنتم رجالا
هذا هو أيمن صادق , شاعر قوي مفعم بالشعر , يعيشه ويتنفسه , ويحيا الحياة بالحب الذي يملأ أيامه بالبهجة والأمل والإصرار ، نشأ في مدرسة الأنصاري الشعرية فخرج منها بصوته الخاص واكتسب منها التمكن من أدواته في اللغة والعروض , وقد لفت إنتباهي أنه رغم معرفته مواقع الهمزات إلا أنه يكثر من تحويل همزات الوصل إلى همزات قطع , ولا بد أن لهذا الأمر سبباً نفسياً لمواقف لا نعرفها في سيرة حياة الشاعر .
لقد قدم أيمن صادق تجربة فنية أضافت إلى شعر الإسكندرية مساحات من الإبداع تنطلق من حالة حب مستمرة كالنهر الجاري ، تمد حقوله بما تحتاج إليه من عذوبة وري , ليجني من تلك الحقول ثمار الشعر الناضجة التي جعلته واحدا من المشار إليهم في ساحة الشعر بالإسكندرية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على قارعة النشيد.............د/ فوزي خضر
المصدر : كتاب قراءات في دواوين من شعر الإسكندرية صادر عن هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالإسكندرية 2006 ص137
No comments:
Post a Comment