Monday, March 3, 2008

بل الحياة علي قارعة النشيد.. دراسة بقلم أ/ أحمد سويلم

بل الحياة علي قارعة النشيد
دراسة بقلم أ/ أحمد سويلم

هناك مراوغة مقبولة دائماً تكمن في حس الشاعر.. حيث يضمر ما بين سطوره أكثر مما يبوح به.. وقد يظن القارئ حينما يأخذه شاعر إلي عالم الموت أنه سوف يلقيه إلي الجحيم.. في حين أنه لو أمعن تذوقه قليلاً في هذا العالم لوضع يده علي أكثر من علامة يقين للحياة..

ومن ثم فمراوغة الشاعر المقبولة هي تلك التي تمتلك أن تجذب القارئ إلي عالمها –أولا- ثم تمنحه بعد ذلك كل ما يود أن يعيشه ويتذوقه..
وأزعم أن الشاعر الذي يبوح منذ البداية أو يشي بكل ما يكنه داخله.. يهلهل قصيدته.. ويدفع القارئ إلي الانتهاء منها كأنه يقرأ تفسيراً أو تحليلاً لخبر سبق أن لخصه عنوانه.
ومن ثم فإن ابداع قصيدة جيدة ليس كأي لون من ألوان الكتابة يتطلب توقداً داخلياً.. وقدراً من المران والخبرة الشعورية وبعضاً من الغموض الموحي الساحر الذي يقوم علي الرمز وليس علي التعتيم والانغلاق.. وكثيراً من المقومات الأخري المدهشة والمتناقضة والمتألقة بما يجعل القارئ مشدوداً من أطرافه لتذوق العمل الشعري واستعادة قراءته لاكتشاف ما خفي بين حناياه..
وبين أيدينا الآن شاعر شاب راوغنا في عنوان الديوان حيث واجهنا به يقول (الموت علي قارعة النشيد).
وهو عنوان يثير التساؤل والدهشة والاستفزاز والاكتشاف جميعاً..

فأما التساؤل.. فلأن النشيد هو رمز للحياة والأمل والإشراق النفسي.. حتي لو كان حزيناً.. فهو تفريج وتطهير عن أدران النفس وعن كآبتها وأوجاعها..
فكيف يكون الموت علي قارعة الحياة البهيجة.. لابد أن يكون في الأمر سرٌ دفين..
وأما الدهشة فتأتي من هذا التناقض الظاهري بين الموت – الغيب- وقارعة النشيد- أي طرقات الحياة المشرقة..

وأظن أن هذه المراوغة والمفارقة بين الغائب والحاضر.. وبين المجهول والمعلوم هي التي أحدثت هذه الدهشة!
وأما الاستفزاز فلأن الشاعر يدفعنا دفعاً إلي الدخول في عالمه.. ويحرضنا لاكتشافه لعلنا نقع علي جوهر ما يود أن يبوح به..

وأما الاكتشاف فهي تلك المرحلة التي تلي دخول عالم الشاعر.. حيث نرتاد مجاهيله ونكتشف السر وراء مراوغته إلي حد بعيد..

ولهذا آثرت أن أطلق هذه الدراسة
(الحياة علي قارعة النشيد)

لعلني أفلح أنا الآخر وأنا أكتب النثر.. أن أمسك بتلابيب القارئ حتي يقرأني!!

ولنا الآن أن ندخل عالم الشاعر ونحن مسلحون بكل هذه المقومات والمحاذير..
فإذا أضفنا أن الشاعر له ديوانين قبل ذلك.. زاد ذلك من اطمئناننا ونحن نقتحم عالمه..

فقد أصدر من قبل ديوانين يمثلان خطوتين متتابعتين..

تكمل الخطوة الأخيرة ما قدمته الأولي.. بحيث يستطيع القارئ لهما أن يقف علي تجربة أيمن صادق بعناصرها البكر متأججة متوجسة شابة نضرة متأرجحة.. شأن أية تجربة ابداعية تشق طريقها في ساحة الشعر..
إن أيمن صادق –رغماً عنه- ينتمي إلي جيل له تجربته المعاندة وأنا أكن لهذا الجيل تقديراً خاصاً وهو يتمرد بفن جيد علي عطاء الأجيال السابقة عليه..
لقد أصدر الشاعر في عام 1996 ديوان سمريات.. وديوان سمر وحلم النوارس ليمثلا دفقة شعورية صادقة تجمع الحزن والفرح.. والحلم والواقع.. واليأس والأمل.. لكنها تجربة شديدة الصدق غنية العطاء.. وبالرغم من تلك البداية التي كان يشوبها ما يشوب بدايات كل الشعراء من العجلة والاقتحام.. فإن تجربة أيمن صادق الماضية كانت تبشر بمذاق خاص لشاعر حرص علي التجديد والتحديث من خلال مقومات الفن الشعري.
والديوان الذي بين أيدينا هو حصاد أكثر من سنتين من الابداع والانتقاء للقصائد.. والتردد والصبر..
يستهل الشاعر ديوانه بتعريف كنت أتمني ألا يذكره بل نستشفه نحن من قصائده.. فهو:

يمتطي صهوة أوجاع القصيده.
وعلي خاصرة الحرف يشد الحزن.
والعمر الذي خان قيوده.

ليس شاعرنا في حاجة إلي تأكيد حبه للشعر وإخلاصه له .. وذوبانه فيه..
ويبدو أن الشعراء دائما يعيشون في حالة توجس بين ألا يستجيب لهم أحد.. لكني أطمئن أيمن علي تجربته وأحثه علي اقتحام الموقف بلا خشية أو تنردد..
ومع ذلك فقد كان استهلالاً صغيراً.. ألصقنا بصدق بعالمه الخاص..

لم يعد يصلح قلبي
لسوي الموت الجميل

مراوغة فاقعة اللون.. كأن هناك وتاً جميلاً وآخر قبيحاً.. والدلالة علي هذه المراوغة تكمن في بقية المعني:

فاغنمي ما قد تبقي من أغانٍ
واغنمي ما قد تبقي من صهيل.

ويبدو أنه يقصد هنا ما ينتج عن الموت لحبيبته .. سيترك ميراثاً (جميلاً) بعد الموت..

لكننا أمام رؤية محيرة حقاً.. لكنها حيرة طازجة مثمرة إلي حد بعيد.. تؤكد أن الموت هنا هو الحياة نفسها بعمقها .. تلك الحياة التي تكمن في الأغاني والصهيل والغشراق حتي لو (يركل عمراً مستباحاً) علي حد قوله.. إن التجربة هنا مزيج من العمق النفسي إلي درجة الموت..
وجوهر الحياة الذي هو البعث نفسه.. ولهذا نراه يدعو حبيبته الي أن تكون مثله:

(فانغرسي يا وردة الجرح النبيل).

أو يقول:

فاحتويه إذا أتي الدنيا سفاحاً
إنه قلب لقيط.
يرتدي عري المسافات...

شيعيه بالغناء لا العويل
.

إن نغمة الأمل لديه قادمة من قلب اليأس.. ونغمة الإشراق والحياة قادمة من قلب الموت.. ونغمة الاقتحام قادمة من قلب الانكسار.. هو وإن انغرست أقدامه في الطين والجمر.. لا يشكو ولا يفقد النشيد..

ويبدو أن خلاصه الوحيد قد جمعه في (الحب) وما عداه هوامش لفكرة الخلاص..

حتي الموت ما هو إلا هامش.. لكنه ليس هامشاً هزيلا لأنه يحتوي الحزن والحل المستحيل واليأس.. والانكسار.
أما الحب بكل ما تضمه دائرته من مضمون يضيق ويتسع فهو ملاذه الوحيد وإن طاردته الوحوش والمسافات والغربة والشوق..

أجئ إليك.
يطارد قلبي انصهار المسافة

-أجئ إليك.
أهند شوقاً
يعابث بالشوق مفتاح بابي
فتسقط عني عباءة حزني!!

-أجئ إليك.
تهلين فرحاً..
فيخضر قلب.. ويخضر حب!!

وفي نهاية القصيدة:
لكي أحتويك
وكي تحتويني
كتسبيحة في ابتهال الرجاء
فعشقي صلاة ..
وعشتك أنت بكل يقيني

ذلك هو صدق الخلاص أو الخلاص الصادق.. باح فيه بكل (الحياة) بديلاً من الموت والحزن والكآبة..
إن الشاعر هنا وهو يؤكد خلاصه بالحب.. يعي تماماً انه الشاطئ الوحيد الذي يلوذ به من أمواج الحياة القاتلة..

حيث يخضر القلب من الجدب.. وحيث يمتزج ويذوب في أفق يجمع بين الحلم والواقع.. بين العشق –الصلاة- وبين العشق- اليقين!!
وها هو بعد أن بلغ شاطئ الأمان والنور.. يعترف بما جناه من هذا القبول الذي تمثل في عيون حبيبته ويندهش كذلك كأنه في عالم يراه لأول مرة:

فكيف استعادت عيونك رغم غبار السنين
براءة طفلي المشاكس
فاختار من الف حضن سماءك
كي ما يمارس فيها الغرق


يتحول البحر المتلاطم فوق الأرض إلي بحر آخر في السماء لكن الاختلاف بينهما شديد.. فهو في بحر السماء مسافر فوق جناح الحب يرسم في الافق اسم حبيبته:

سيناً .. وميماً .. وراءً!!
فيخضر اسمك فوق الورق
لأول مرة
أحب!!

وما الورق هنا سوي الأفق الرحب الذي يجري فيه بحر الحب
أما قصيدته الجميلة (مزامير)
فهي نشيد الانشاد في هذا الديوان.. وهي عروس قصائده هنا..
وهي تدور حول نتائج هذا الحب.. وحصاد هذه التجربة التي يعيشها بصدق..
إنه يعيش الواقع وكأنه يحلم..
لهذا يخشي ألا يكون الواقع واقعاً.. ويود لو يصدق:

-بأن الصباح صباح..
تبسم حين ابتسمت..

-بأنك لست خيالاً جميلاً
يرتب فوضاي في كل ركن.

-وتأتين حين اراود شعري
بفنجان شاي وغمزة عين..

-بأنا التحفنا بدفئ التوحد بعد الشتات
وأنا نجوب الشوارع
دون التوجس والالتفات

-بأن ارتعاشة كفي علي وجنتيك حقيقة
دعيني أصدق أنك أنتِ
وأني حبيبك في كل وقت!

وربما لاحظنا أن الشاعر يلجأ إلي الخطاب الشعري البسيط القريب أحياناً إلي التقريرية.. لكنه –مع هذا- مغلف بالحس.. والصدق العميق.. واختيار المفردات المشحونة بالمعني رغم سهولتها وبساطتها ومباشرتها أحياناً..
لكن عذر الشاعر في ذلك أن وجدانه متوقد بالحب.. مشحون بالعاطفة.. مزدحم بالشوق الجارف.. والصدق المتجدد.. لهذا فإن الخطاب الشعري هنا وجداني بكل ما يحمل هذا المعني من أبعاد وأعماق.. والوجدان لدي الشاعر رومانسي ممزوج بواقعية من نوع خاص يقبض عليها الشاعر كأنه يحكي أحداثاً حدثت.. لكنه يحسد فيها حسه ووجدانه .. بصدق وعفوية..
وقد يعترض البعض علي هذا الخطاب الشعري.. لكننا نؤكد أنه بقليل من الانحياز غلي تجربة الشاعر.. نستطيع أن نكتشف أغواراً في هذه التجربة.. تبعدنا نوعاً ما عن التقريرية والمباشرة وأسلوب السدر أوالحكي..
ولا ينسي الشاعر الذي تسلح بالحب أن العالم من حوله متسع لتجارب إنسانية مختلفة.. وأعتقد أن الشاعر حينما قرر أن يلتفت إلي تجارب غير ذاتية.. اسقط عليها أيضاً ذاته.. فذابت في ذوات الآخرين.. وأصبح الفرد هو المجموع.. والخطوة الضيقة ساحة من العطاء..
إن قصيدته (موتوا) وثيقة مهمة لانكسار الحلم العربي الكبير..

لقد بدأ بنفسه..

الحق أقول لكم
ما عادت تجدي أدعيتي

ثم ما يلبث أن يوسع دائرة الرؤية لتشمل هؤلاء الذين انهزموا بأيديهم.. وكسروا الأحلام الكبري..

الحق أقول لكم..
لستم عشاقاً محترمين..
من يشهر صمت هزيمته
في وجه الغاصب.. قواد..
من يحن الرأس إذا ما هبت عاصفةٌ
سيموت علي ظهر أحدب..
الحق أقول لكم..
إن لم يجنح للسلم عدوك.. لا تجنح

ثم يقول في آخر القصيدة غاضباً ثائراً

الحق الحق أقول لكم
إذ يقرض خوف نخوتكم
موتوا..
فالموت هو الحل الأنسب!!

كان غضب الشاعر غضباً مبرراً منطقياً.. أمام تلك الهزائم التي ارتضاها العرب أمام عدو مخادع مراوغ.. ون ثم استطاع الشاعر بصدقه أن يعبر ليس فقط عن رؤيته الخاصة، وإنما عن رؤية الملايين الذين يعانون مثله.. وعلي النحو نفسه.. ولتكن برؤية أكثر عمقاً نقرأ قصيدته (صدي) وكأنها صدي للقصيدة السابقة أو لنقل هي محاولة للخلاص..

في يدي الف فسيلة
وبلاد ارهقت سعيي إليها
كلما راودتها عن خصبها
لم تتهيأ لي..
وخانت ظمأ الغرس..
ولم تشف غليله

ويحاول الشاعر أن يغرس الفسيلة لعلها تكون نخلة كبيرة في صحراء الياس والهزيمة والحلم المنكسر.. لكنه يواجه بأن كل شئ حوله لا يمكنه من ذلك..

إنه الموت
وفي كفي بقايا الطين
هل يمهلني حتي أزيله

والشاعر هنا لم ينفصل عن المجتمع أو المجموع.. إنه يعبر عن نفسه تعبيره عن الآخرين.. وكفه هي مجموع أكف الآخرين والمعاناة واحدة لديه ولدي الآخرين.

ألا نلاحظ هنا أيضاً أنه يشي بما يدلنا علي الخلاص وهو الحب.. حب وطنه وحب النصر.. ورفض الهزيمة والانكسار.. (يفعل ذلك أيضاً في قصيدته عن بغداد) إن خلاص الحب يتجلي في كل سطر من أسطر هذا الديوان: ويسري في كل شرايين الأحرف.. والشاعر يعترف انه واحد من ملايين البشر الذين يعانون الكراهية والبغض والحقد والهزيمة المستساغة.. ومن ثم لابد أن يواجه ويقتحم وهذا عمل الشاعر الذي يصدق مع نفسه وتجربته..
وديوان أيمن صادق فيه نوعان من القصائد: قصائد تقليدية لكنها في معظمها تتخذ بحوراً وقوافي منتقاة بحرص وحس عصري إلي حد كبير..
وقصائد حديثة تعتمد علي التفعيلة وأحياناً تكرار قافية حديثة أيضاً..

والديوان تسوده نغمة حزن شفاف.. ليس فيه القتامة والياس.. وإنما فيه المواجهة مع النفس ومع المجتمع كذلك.
لكن هذه النغمة تنمو في وجدانه لتتحول الي سلاح من العمل والعطاء والحب والسعي الحثيث.. بحيث يتحول المعني في النهاية غلي عكسه.. الحزن إلي الفرح.. الموت إلي الحياة والبعث.. الانكسار إلي التجلي والحلم بالغد.. البغض أو التوجس إلي الحب الصادق.. وهكذا.. بقي أن تقول إن هذا الديوان يتجاوز بكثير تجربة الشاعر السابقة خلال ديوانيه السابقين بكثير من الصدق والفنية والمضمون العميق..
والتجديد في اللغة ومشتقاتها وتخريجاتها مثل (تسلحف) (غسقوا) (تثعبن) وغيرها مما يؤكد جرأته المحسوبة علي اللغة..
وأخيراً.. لقد استمتعت بعطاء وتجربة أيمن صادق في هذا الديوان المشحون بالحلمن والحب والحياة.. والذي ينأي كثيراً عن الموت والحزن والقتامة –ويعلي من شأن التأمل والتجرد والعشق والوجد.. في صدق وتلقائية تؤكد أنه استطاع أن يثبت خطاه ويحفر لنفسه مساراً مختلفاً عن كثير من رفاق جيله..

أحمد سويلم
القاهرة
24/9/1998

No comments: