Thursday, December 27, 2007

ظاهرة عشق الموت في ديوان الموت علي قاعة النشيد




ظاهرة عشق الموت في : " الموت ... على قارعة النشيد "



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





بقلم أ . د / كمال نشأت





هذا ديوان يستعلن بالصدق الشعوري , وتحرر التعبير الشعري , فيه أنفاس صاحبه الخاصة ومحاولاته لخلق تعبيره الخاص كذلك .. استقل بوجوده وسط دواوين كثيرة منفردا , متألقا ينبئ عن موهبة شعرية ينتظر أن تحقق ذاتها أكثر وأكثر .



أهم ميزاته الصدق الشعوري , وهو سمة الشاعرية المطبوعة في كل مكان وزمان , يحلق في سماوات جديدة , وسيورد صاحبه آفاقا أخري في دواوين قادمة بإذن الله .







تغلب عليه فكرة ( الموت ) النابعة من أعماق العقل الباطن , وتشكل المحور الأساسي كتجربة صادقة تعلن عن ذاتها في جهارة , ووضوح , وإصرار غير متعمد , وتروح تستبطن نفس الشاعر في تؤده ودقة , من هنا تبرز في معجمه الشعري لفظة ( الموت ) وعشقه , يرددها الشاعر مستعذبا وقعها , مستغرقا في معانيها التي تتلون حسب حالته النفسية ساعة الخلق الشعري ومن كثرة ترديده للفظة ( الموت ) المستقرة في لا شعوره . ينبثق عنوان الديوان , وهو يحمل روح المفارقة في نظر القارئ الذي تعود من الآخرين أن يقولوا ( قارعة الطريق ) , فإذا به يسمع الشاعر وهو يقول ( الموت علي قارعة النشيد ) , والمفارقة الفارقة تؤدي إلي خلخلة ما إستقر في نفسه من تعابير تعود أن يراها في شكلها الشائع , فإذا به يرى شاعرا يحطم ما استقر في نفوس الآخرين وهم من اطمأنوا إلى التعبير الشائع الذي اكتسب ألفة وأصبح لا يثير الدهشة التي تتملك القارئ وهي أحد طموحات التعبير الجديد .



إن هذه المفارقة تيمة متكررة , يحاول الشاعرمن خلالها أن يحقق نمطا من التعبير بعيدا عن النمطية السائدة حتى ينال رضا وإعجاب القارئ وهذه التيمة تعتبر من خصائص ومميزات الديوان .



إن التجديد في التعبير الذي ينأى عن مناخ الكلاسيكية , وما هو مكرور شائع يفتح آفاقا من الرؤى الجديدة التي يجسدها الشاعر حرة , طليقة ذات طزاجة لأنها تخلق أجواء تشتعل بالبكارة , والتفرد لأن المتلقي يستقبلها لأول مرة , فتزيد خياله غنى وسعة مثلما يثير شعاع الشمس في المرآة أشعة أخرى كثيرة , وهذه التيمة التي جعلها الشاعر من صميم اهتمامه التعبيري من الصعوبة بمكان , إذ تحتاج إلى معرفة معجم من الألفاظ ضخم , وهذا وحده لا يكفي , إذ يصبح الشاعر هنا معجما أقرب إلي المعاجم الحقيقية التي تستقر فيها الألفاظ حبيسة معانيها المحدودة , ولكننا في هذا المجال الذي يستهدف من يعيش فيه خلق جمالية طازجة , محاولا التفرد , يحتاج إلي ذائقة أدبية شديدة الحساسية حتى يستطيع أن يختار عبر معجمه المستقر في نفسه ألفاظا تشكل تعبيرا جديدا ياه المتلقي لأول مرة , ولعل الذي مهد لهذا اللون وساعد على وجوده بكثرة شعراء الرمزية الفرنسيون حين اعتمدوا على ما يسمى ب ( الخلط بين معطيات الحواس ) أو ( تراسل الحواس ) , فإذا بالمسموع يصبح مثلا ( مرئيا ) , وإذا بـ ( المرئي ) يصبح ( مشموما ) وهكذا , فإذا بآفاق وسيعة من الدلالات والرؤى تتفتح جلية أمام المتلقي وتخرج به إلى عوالم متخيلة جديدة تثبت قدرة الشاعر عبر لغته علي الخلق المتجدد باستمرار , تزيد الخيال غني , والإحساس عمقا ... حين تقول :



لقد فتح الشاعر أمامه باب التجديد في صوره المجازية التي حاول فيها الابتعاد عن التعابير المألوفة التي كثر ورودها في شعر بعض الشعراء الآخرين حتى أصبحت في الأكليشيهات , وفي نماذج مجازاته التي تحرى فيها عدم النمطية قوله ( لنسكن في حفنة من ضياء ) و ( نهرب خلف حدود الغياب ) و ( فأختار من ألف حضن سماءك كيما يمارس فيها الغرق ) و ( تواري في حضن تيه عقيم يحلب العمر من ضروع الجروح ) ...ألخ من ألفاظ ( المعجم الشعري ) لهذا الديوان لفظة ( الموت ) كما سبقت الإشارة , وقد مرت بنا هذه اللفظة كمفردة في عنوانه ( الموت على قارعة النشيد ) والشاعر يجابه القارئ منذ قراءة عنوان الديوان باللفظة التي تشكل محوره الرئيس , والتي ستراها بكثرة حينما يقول : ( يخلع ( الموت ) ص 21 ) وستراها في ( ولم يعد يصلح قلبي لسوي الموت الجميل ص 24 ) وفي ( فأنا هيأته للموت من ألف نزيف ص 25 ) , وفي ( أحرث البحر كي أقايض ( موتي ) ص29 ) , وفي لكي ( تستفيق الجراح وتعلن ( موتي ) ص50 ) , وفي ( علمني ( الموت ) فالموت رجاء للذي قايضه ألف انتحار ص 59 ) وفي ( موتوا ( فالموت ) هو الحل الأنسب ص 68 ) وفي ( إني أجوب الآن أقبية ( الموات ) ص7 ) , وفي ( فتمهلي حتى يصالح موته ص71 ) , وهناك قصيدة كاملة بعنوان ( الموت ) ص 73 , وأخرى عنوانها ( موت وموت ) ص 89 , وستراها في قوله : ( والمدى نافذة ( للموت ) ص82) , وفي ( وهاهو ( الموت ) من النافذة الزرقاء يرنو ربما ينتقل الآن طريقي ص 83 ) وفي ( تفشل أن تسرق ( موتي ) ص 94 ) وفي ( فعشت أنكأ ( موتي ) ص 104 ) .



إن تكرار لفظة ( الموت ) بهذه الكثرة يدلنا علي وجود أزمة نفسية حادة تجعل هذه اللفظة على سن القلم , وهي أزمة جعلت الشاعر يتمنى الموت ( الجميل ) كما يقول .



إن الشاعر أى شاعر يشكل من اختيار ألفاظ معينة من لغته القومية ما يسمي أسلوب تعبير يخضع أول ما يخضع إلي خصوصية شخصية في طريقة تركيب الجملة واختيار مفرداتها , وهو دون أن يدري يختار أيضا ألفاظا معينة يكثر دورانها في أسلوب تعبيره , وهي ألفاظ قريبة الصلة بنفسه وقد أسمى العلماء والنقاد هذه الألفاظ المتكررة في شعر الشاعر بـ ( المعجم الشعري ) , وهذا المعجم الشعري يعتبر أضواء كاشفة مسلطة علي نفسية الشاعر أو الكاتب .



إن ( المعجم الشعري ) وثيقة نفسية تستبطن دخيلة الشاعر , وهو قرين ( الفلتة اللسانية ) التي يتلفظ بها الإنسان دون إرادة منه فتكتشف عن أشياء كامنة في نفسه وإن حاول إخفاءها , وطبيعي أن يعتمد عليها الأطباء النفسيون.



ولما كان تعامل الشاعر أو الكاتب مع اللغة تعاملا شخصيا قال القائل : ( الأسلوب هو الرجل ) , ذلك أن اللغة في القاموس ميتة لأنها قابعة في وجودها الفردي المنعزل , وهي تكتسب حياتها حينما تكون ألفاظها لبنات في معمار لغوي يشكله الشاعر أو الكاتب فيحمل بصمات نفسه دون أن يدري ، لذلك كان من العسير نسبة الكتابة الفنية إلى آخرين ، وتحقيق الذات في الكتابة الفنية يجعل القارئ المتذوق لأساليب الكتاب والشعراء يفرق بين ما يكتبه طه حسين وبين ما يكتبه العقاد كما يفرق بين قصيدة لناجي وأخري لمحمود حسن إسماعيل .



إن ( المعجم الشعري ) و ( المعجم النفسي ) والأسلوب الشخصي الدال علي كاتبه ترجع كلها إلي ( الذاتية ) التي تؤكد الملامح الخاصة للشاعر أو الكاتب والتي بدونها تفتقد الأصالة , ويصبح النص الأدبي مشاعا مثل قولة ( السلام عليكم ) التي يقولها كل الناس .



من هنا نعرف الفارق بين الذاتية في الفن والأدب وموضوعية العلم , وعلى أساس من هذه الذاتية التي تتضح في ( المعجم الشعري ) و ( المعجم النفسي ) كشف النصوص الأدبية المنحولة .



إن شاعرنا أيمن صادق يعتمد علي ( المعجم النفسي ) ذي الدلالة الحاسمة , ومن صوره المركبة قوله ( لم يعد يصلح قلبي لسوى ( الموت ) الجميل ) , وهو يقول ( أحرث البحر كي أقايض موتي ) , ويقول ,( موتوا ( فالموت ) هو الحل الأنسب ) , ويقول ( وأوضئ عمري بين يديه و ( أموت ) , ويقول , إني أجوب الآن أقبية ( الموات ) وهو يوجه فكرة الموت لأهم امرأة اصطفاها من دون النساء , فيقول لها :



( علميني ( الموت ) , ويقول لها ثانية ( فتمهلي حتى يصالح موته ص 71 ) .



والمحب دائما لا يخفي مشاعره التي تسيطر عليه أمام حبيبته , من هنا كان تكرار ذكر الموت كما مر بنا , فهو يذكره أمام الحبيبة متلذذا بذكر اللفظة الدالة عليه , بل يقول لها ( علميني الحب ) , وهو يمدحه مدح الذي يعشقه حين يقول ( الموت الجميل ) , وهو يذهب أبعد من ذلك حين يحس إحساسا ملحا بأن الموت يطارده , تري ذلك في قوله :



( ها هو ( الموت ) من النافذة الزرقاء يرنو ربما يشحذ لي منجلة أو ربما يسرج بالباب خيوله , وأنا لم أتهيأ ) .



وتفلت منه فلتة لسانية في صورة متكاملة تقبع في نفسه , وهي ذات دلالة نفسية تبرز بوضوح أنه حاول الانتحار وفشل فيه ... ( علميني الموت فالموت رجاء / للذي قايضه ألف انتحار ) .... وهذا الإحساس الجارف الذي يعلن عن نفسه في وضوح وصراحة يتسرب إلي شعره في لحظات الإبداع ... حتى في لحظات اختيار العنوان المناسب للديوان .... من هنا كان هذا العنوان المناسب الذي يومئ إلى محور يدور حوله شعره , وهو حتى في مواقفه مع الحبيبة لم يتخلص كما مر بنا من هذا العشق الجارف للموت , والرغبة في الانعتاق من الحياة , فلن ترى لقاء سعيدا بينه وبين هذه الحبيبة , ولن ترى كلاما يدل على طمأنينة , أو إحساس بالسعادة , ولكنك ستراه يقول : ( لم يعد يصلح لقلبي / لسوي الموت الجميل / فاغنمي ما قد تبقي من أغان / واغنمي ما قد تبقي من صهيل / ربما يركل عمراً مستباحاً / أرهقته السحب بالغيم البخيل / فاغنمي ما قد تبقي من أغان أو صهيل / يا وردة الحب النبيل , فأنا هيأته للموت من ألف نزيف ..... .إلخ ) .



ونحن لا نذكر هذه القتامة التي تلفع إحساس الشاعر منتقدين , ولكننا نحاول تعليل الظاهرة .... ظاهرة عشق الموت , مرحبين بكل ما يتصل بها علي مستوي الإبداع الشعري ، فهذا العشق الجارف مفروض علي نفسية الشاعر , ولا مهرب منه , ويكفي أنه تجربة نفسية صادقة , والصدق جوهر الشعر الأصيل





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







ظاهرة عشق الموت فى " الموت على قارعة النشيد " .............د / كمال نشأت


المصدر : مجلة الثقافة الجديدة العدد 165 مارس 2004

No comments: